الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين؛ وبعد :
لا يخفى أن عداوة إبليس لبني آدم قديمة قدم النوع الانساني في الوجود، فبعد أن رفض إبليس السجود لآدم بدأ يكيد له، وبعد اللقاء في الجنة التي كان يسكن فيها آدم استطاع ابليس أن يوسوس له بالأكل من الشجرة المحرمة، وبعد توبة آدم أضمر الشيطان العداوة لكل أبناء النوع الانساني والى قيام الساعة. قال تعالى:{ قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم} الأعراف 16.
من هو الشيطان؟
سؤال طالما دار في عقولنا.. دون أن نجد له جوابا.. إن الشيطان غيب عنا.. يرانا ولا نراه.. يهمس في آذاننا ويوسوس لنا دون أن نعرف أين هو؟ ولا ماذا يفعل؟ ولذلك يبقى السؤال.. من هو الشيطان؟
الله سبحانه وتعالى ـرحمة منه بعقولناـ أعلمنا من هو الشيطان.. وما هي قصة عداوته للانسان.. وكيف نشأت.. وكيف نواجهه ونتغلب عليه وعلى كل القوى الخفية والظاهرة في الكون..
الله تبارك وتعالى يأمرنا أن نستعيذ به.. ذلك لأن الله جل جلاله.. قاهر فوق كل خلقه.. المؤمن منهم والكافر.. والطائع منهم والعاصي، والذي له اختيار، والمقهور على الطاعة.. كل هؤلاء مقهورون لله سبحانه وتعالى فلا شيء في الكون يخرج عن مشيئته.. ولذلك يقول سبحانه وتعالى:
{وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير}. الأنعام 18.
الله سبحانه وتعالى.. لا يخرج في كونه عن مراده الفعلي، ولكن يخرج الذين أعطاهم الحق جل جلاله الاختيار عن مراده الشرعي.. أو منهجه في “افعل لا تفعل”.. وهم يخرجون عن هذا المنهج باختيار الله سبحانه وتعالى.. لأنه جل جلاله..هو الذي خلقهم قادرين على الطاعة.. وقادرين على المعصية.. ولو أنه تبارك وتعالى.. أراد أن يخلقهم مقهورين على الطاعة؛ لفعل.. وهذا المعنى تجده في قول الحق تبارك وتعالى:
{ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظللت أعناقهم لها خاضعين} الشعراء 3،4.
وهذه الآية خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. الذي كان يحز في نفسه.. أن هناك من يرفضون الايمان، وكان هذا الحزن والأسى.. لأنه كان يعرف ما ينتظرهم في الآخرة من عذاب مهين خالد باق…
ولذلك ـ ولأنه رحمة للعالمين ـ كان يريد أن ينقذهم من المصير الذي ينتظرهم.
الله سبحانه وتعالى يخبره هنا بأن هؤلاء وإن خرجوا عن مراد الله الشرعي الذي أراده لهم بالايمان به، واتباع منهجه، فانهم لم يخرجوا عن مراد الله الفعلي.. لأن الله سبحانه وتعالى.. أراد لهم أن يكونوا مختارين.. في أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا.. يطيعوا أو يعصوا.. فأعطاهم الاختيار في أن يفعلوا أو لا يفعلوا.. هذا الاختيار نابع عن إرادة الله سبحانه وتعالى.. ولولا تلك الارادة ما كان هؤلاء مختارين في أن يطيعوا أو يعصوا.. إذن فلا شيء في الكون يخرج عن إرادة الله سبحانه وتعالى.
إننا قبل أن نمضي.. لا بد أن نبين الفرق بين وصف الشيطان.. وبين الشيطان نفسه.. الشيطان كوصف عام معناه كل من يبعد الناس عن طاعة الله وعن منطق الحق، وكل من يغري بالمعصية، ويحاول أن يدفع الانسان الى الشر.. كل واحد من هؤلاء هو شيطان.
ويجب أن نعلم أن هناك شياطين من الجن.. وشياطين من الانس.. يجمعهم وصف واحد، كما يجمعهم الاتحاد في المتعة التي هي نشر المعصية والافساد في الأرض.. شياطين الجن هم العصاة من الجن الذين يصدون عن الحق ويدعون الى الكفر، وشياطين الانس يقومون بنفس المهمة..
إذن فاللفظ هنا وصف لمهمة معينة.. وليس إشارة الى شخص بإسمه، فكل من دعا الى الكفر والشرك والعصيان هو شيطان..
أما إبليس فهو ـ شيطان ـ من الجن.. وكانت له منزلة عالية.. حتى قيل إنه كان يعيش مع الملائكة.. إبليس هذا هو خلق من خلق الله، ولكنه يختلف عن الملائكة في أنه خلق محتارا.. وهو لا يستطيع أن يتمرد على (أمر ) الله وإن أعطي حق الاختيار، وإنما يستطيع بما له من إختيار.. أن يتمرد على ( الطاعة) لهذا كان خروج إبليس عن طاعة الله.. ليس تمردا على أمر الله.. ولكنه عدم طاعة الله بمشيئة الله سبحانه وتعالى التي شاءت أن يخلقه مختارا.. قادرا على الطاعة..وقادرا على المعصية.
هذه المشيئة هي التي نفذ منها إبليس.. وينفذ منها كل عاص بعدم طاعة الله.. وهذه نقطة لا بد أن نفهمها.. قبل أن نمضي في الحديث عن الانس والشيطان.. فلا شيء في كون الله سبحانه وتعالى.. يتمرد على أمر الله، ولكن الله خلق خلقا مقهورين على الطاعة (هم الملائكة)، وخلقا مختارين في أين يطيعوا ويعصوا (الإنس والجن) ومن خلال هذه الارادة. إرادة الله سبحانه وتعالى في أن يخلق خلقا قادرين على الطاعة، وعلى المعصية.. جاءت المعصية على الأرض.
على أن هناك حديثا طويلا عن معصية إبليس.. بعضهم يقول كيف يحاسب إبليس لأنه رفض أن يسجد لغير الله؟.. والله أمر إبليس أن يسجد لآدم.. وإبليس رفض أن يسجد لغير الله!!.
الذين يشيعون هذا الكلام، من الملحدين وغيرهم. نقول لهم: إنكم لم تفهموا معنى العبادة.. فالعبادة هي إطاعة المخلوق لأوامر خالقه.. ومن هنا فإننا عندما يقول الله سبحانه وتعالى لنا أن نصلي خمس مرات في اليوم.. فالصلاة هنا تكون عبادة وطاعة لله.. وكذلك كل ما أمر الله به.. عبادة الله هي طاعته.. وعصيان أمر الله هو معصيته.
ونحن لا نناقش الأمر مع الله سبحانه وتعالى.. وإنما نطيعه. فلا نقول مثلا لماذا نصلي خمس ركعات.. ولا نصلي أربعا أو ثلاثا أو اثنتين.. لا نرد أبد الأمر على الله.. ولكننا نطيع حتى ولو لم نعرف الحكمة. حتى ولو لم ندرك السبب.. لأن العلة في العبادة هي أنها من ا






















